لم يعد "شات جي بي تي" مجرد نافذة يكتب فيها المستخدم سؤالاً وينتظر إجابة، أو أداة لصياغة نص وتلخيص مقال، إذ يتجه بصورة متسارعة إلى أداء دور المساعد الرقمي القادر على البحث والتحليل والتعامل مع الملفات والتطبيقات وتنظيم المعلومات، فضلاً عن تنفيذ مهام طويلة تتطلب سلسلة من الخطوات.
ويأتي هذا التحول ضمن انتقال أوسع في صناعة الذكاء الاصطناعي من النماذج التي تركز على تقديم الإجابات إلى الأنظمة القادرة على تنفيذ جزء من العمل الذي يقود إلى النتيجة النهائية، بحيث لا يقتصر دور المستخدم على طلب المعلومة، بل يمكنه تحديد الهدف وترك النظام يتولى مراحل متعددة للوصول إليه.
1- البحث المتعمق.. عندما يتحول "شات جي بي تي" إلى باحث
تعد ميزة "البحث المتعمق" (Deep Research) من أبرز الأدوات المخصصة للمهام البحثية المعقدة، إذ تتيح للمستخدم تحديد السؤال والنتيجة المطلوبة والمصادر التي يريد الاعتماد عليها، قبل أن تنفذ عملية البحث وتجمع المعلومات في تقرير موثق.
ويمكن للميزة التعامل مع الملفات التي يرفعها المستخدم، والبحث في الويب العام أو مواقع محددة، والاستفادة من التطبيقات المتصلة، ثم تقديم تقرير منظم يتضمن الاستشهادات وروابط المصادر التي يمكن الرجوع إليها للتحقق من المعلومات.
كما تتيح الميزة للمستخدم مراجعة خطة البحث قبل بدء التنفيذ، ومتابعة سير العملية وتعديل مسارها أثناء العمل، فضلاً عن تحديد المواقع أو المجالات التي يريد إعطاءها أولوية في البحث.
وتفيد هذه الإمكانات الباحثين والصحفيين والطلاب وفرق الأعمال، خصوصاً في المهام التي تتطلب جمع معلومات من مصادر متعددة ومقارنتها وتحليلها.
لكن استخدام البحث المتعمق لا يلغي الحاجة إلى مراجعة المصادر الأصلية، ولا سيما في الموضوعات العلمية والاقتصادية والصحفية التي تعتمد على دقة الأرقام والتفاصيل.
2- "شات جي بي تي وورك".. من الإجابة إلى تنفيذ المهمة
يمثل "شات جي بي تي وورك" (ChatGPT Work) خطوة أوسع في اتجاه تحويل الذكاء الاصطناعي إلى منفذ للمهام الطويلة ومتعددة المراحل.
وأطلقت "أوبن إيه آي" الميزة في يوليو/تموز 2026 باعتبارها وكيلاً قادراً على البحث وتحليل المعلومات والعمل عبر الملفات والتطبيقات المتصلة وإنشاء مخرجات نهائية، بينها المستندات وجداول البيانات والعروض التقديمية والتقارير والمواقع.
ويكمن الاختلاف الأساسي في أن المستخدم لا يحتاج بالضرورة إلى تقسيم المشروع إلى سلسلة طويلة من الأوامر، إذ يمكنه تحديد الهدف النهائي، بينما يستطيع "شات جي بي تي وورك" اقتراح خطة وتنفيذ مراحل متعددة ومتابعة التقدم والتوقف لطلب التوجيه أو الموافقة عند الحاجة.
وبذلك ينتقل الاستخدام من صيغة "اسأل الذكاء الاصطناعي" إلى صيغة "كلّف الذكاء الاصطناعي"، وهي نقلة تعني أن النظام لا يقدم المعلومة فقط، بل يمكنه المساهمة في تنفيذ سلسلة العمل التي تسبق المنتج النهائي.
3- تحليل البيانات.. اسأل الجدول بدلاً من قراءة آلاف الصفوف
يتيح "شات جي بي تي" للمستخدم تحليل الملفات وجداول البيانات من خلال أسئلة مكتوبة باللغة الطبيعية، مثل مقارنة أداء فترتين، تحديد المنتجات الأسرع نمواً، اكتشاف القيم غير المعتادة أو إنشاء جداول ورسوم توضيحية.
وتختصر هذه الإمكانية خطوات كانت تتطلب في بعض الحالات استخدام برامج متخصصة أو معرفة بأدوات تحليل البيانات، إذ يستطيع المستخدم وصف النتيجة المطلوبة بدلاً من كتابة المعادلات أو تنفيذ مراحل التحليل يدوياً.
ويمكن، على سبيل المثال، طلب تحليل بيانات المبيعات ومقارنة النتائج بين النصف الأول والثاني من العام وتحديد المنتجات التي حققت أعلى معدلات النمو.
ومع ذلك، تظل جودة النتيجة مرتبطة بصحة البيانات وطريقة تفسيرها، لذلك لا ينبغي اعتماد التحليلات بصورة آلية عند استخدامها في القرارات المالية أو الإدارية المهمة.
4- المشاريع.. مساحة واحدة للعمل طويل الأمد
توفر ميزة "المشاريع" (Projects) مساحة تجمع المحادثات والملفات والتعليمات المرتبطة بعمل معين، ما يسمح للمستخدم بالعودة إلى المشروع ومواصلة العمل من السياق نفسه دون الحاجة إلى إعادة شرح التفاصيل في كل محادثة.
وتناسب هذه الميزة الأبحاث الطويلة وكتابة التقارير والتخطيط والمشروعات التي تتطور على مراحل، إذ يمكن جمع الملفات المرجعية والتعليمات والمحادثات في مساحة واحدة.
ويمكن للصحفي، على سبيل المثال، إنشاء مشروع مخصص لملف معين، وإضافة الدراسات والتقارير والمصادر إليه، ثم استخدام المحادثات داخل المشروع لإعداد أجزاء التقرير ومراجعتها وتحديثها.
وتتضمن المشاريع ذاكرة خاصة بها تساعد "شات جي بي تي" على الاحتفاظ بسياق المحادثات والملفات المرتبطة بالمشروع، ما يجعلها أقرب إلى مساحة عمل مستمرة بدلاً من مجموعة محادثات منفصلة.
5- التطبيقات.. ربط "شات جي بي تي" بالأدوات الخارجية
تتيح التطبيقات (Apps) ربط "شات جي بي تي" بخدمات ومصادر بيانات خارجية، بما يسمح باستخدام المعلومات المتصلة داخل المحادثة بدلاً من الانتقال باستمرار بين خدمات متعددة ونسخ البيانات يدوياً.
وتختلف إمكانات التطبيقات بحسب الخدمة والخطة والإعدادات، إذ يمكن لبعضها البحث واسترجاع المعلومات، بينما تتيح تطبيقات أخرى تنفيذ إجراءات خارج "شات جي بي تي" بعد الحصول على الصلاحيات والموافقات اللازمة.
وتمنح هذه الإمكانات "شات جي بي تي" دوراً أقرب إلى واجهة تجمع أدوات متعددة ضمن سير عمل واحد، لكنها تفرض في الوقت نفسه اهتماماً أكبر بالصلاحيات والخصوصية والأمان، خصوصاً عندما تكون التطبيقات المتصلة قادرة على الوصول إلى بيانات المستخدم أو تنفيذ إجراءات نيابة عنه.
6- الذاكرة.. تقليل الحاجة إلى إعادة شرح السياق
تساعد الذاكرة (Memory) على تقليل التكرار في الاستخدام المتواصل، من خلال الاحتفاظ ببعض المعلومات والسياقات المفيدة التي يمكن أن تجعل التفاعلات اللاحقة أكثر ملاءمة للمستخدم.
وتظهر فائدتها خصوصاً لمن يستخدم "شات جي بي تي" بصورة متكررة في نوع محدد من المهام، إذ يمكنها تقليل الحاجة إلى إعادة كتابة بعض التفضيلات والتعليمات والسياقات في كل محادثة.
ولا تعني الذاكرة أنها مستودع للمستندات الطويلة، بل ترتبط بالمعلومات والسياقات التي تساعد النظام على تخصيص التفاعل، مع إمكانية إدارة إعداداتها والتحكم بها من قبل المستخدم.
7- المهام المجدولة.. عندما لا ينتظر "شات جي بي تي" سؤال المستخدم
تسمح المهام المجدولة (Scheduled Tasks) بأتمتة بعض الأعمال التي تنفذ مرة واحدة أو بصورة دورية أو عند تحقق شرط معين، كما يمكن استخدامها لمراقبة تغييرات وإبلاغ المستخدم عند ظهور تحديث ذي صلة.
وتتيح هذه الإمكانية استخدام "شات جي بي تي" في إعداد موجزات دورية أو متابعة موضوع معين أو تنفيذ مهمة متكررة وفق جدول يحدده المستخدم، بدلاً من بدء المحادثة يدوياً في كل مرة.
وتشكل المهام المجدولة جزءاً من الاتجاه نحو جعل الذكاء الاصطناعي أكثر حضوراً في سير العمل اليومي، بحيث يمكنه متابعة بعض الأعمال وفق الوقت أو الشروط التي يحددها المستخدم.من "اسألني" إلى "دعني أنجزها"
تكشف هذه القدرات عن تحول في طريقة استخدام "شات جي بي تي"، إذ لم تعد قيمة الأداة مرتبطة فقط بجودة الإجابة، وإنما بقدرتها على اختصار سلسلة من الخطوات التي يحتاجها المستخدم للوصول إلى النتيجة النهائية.
ويظهر هذا التحول بوضوح في "شات جي بي تي وورك"، الذي صمم للتعامل مع المهام الطويلة عبر البحث والتحليل واستخدام الملفات والتطبيقات وإنشاء مخرجات نهائية، مع إمكانية متابعة المستخدم للعمل والتدخل لتغيير مساره أو الموافقة على بعض الإجراءات.
لكن زيادة قدرة الذكاء الاصطناعي على الوصول إلى البيانات وتنفيذ الإجراءات تجعل المراجعة البشرية أكثر أهمية، لا أقل، خصوصاً عندما تتعلق النتائج بقرارات مالية أو إدارية أو صحفية أو بمعلومات حساسة.
كما أن خصائص "شات جي بي تي" وإمكانات الأدوات المتاحة تختلف بحسب الخطة والمنطقة وإعدادات الحساب ومرحلة طرح الميزات، لذلك قد لا يحصل جميع المستخدمين على القدرات نفسها في الوقت نفسه.
وفي المحصلة، لا تكمن أهمية هذه الأدوات بالضرورة في استبدال العمل البشري، وإنما في تقليص الوقت الذي يستهلكه جمع المعلومات وتنظيمها وتحليلها وتنفيذ الأعمال المتكررة، بما يتيح للمستخدم تركيزاً أكبر على المراجعة والتفكير واتخاذ القرار.
المحرر: حسين صباح