الأحد 20 ربيع الآخر 1448هـ 4 أكتوبر 2026
موقع كلمة الإخباري
دراسة تكشف أصلاً مزدوجاً للدماغ البشري يعود إلى 550 مليون سنة
متابعة - كلمة الإخباري
2026 / 10 / 04
0

كشفت دراسة قادتها كلية الطب بجامعة ستانفورد أن الدماغ البشري لا ينشأ خلال التطور الجنيني من مجموعة واحدة من الخلايا السلفية، كما افترض النموذج التقليدي، بل من سلفين عصبيين متميزين يظهران بالتزامن ويتطوران على مسارين متوازيين، في اكتشاف قد يفتح طرقاً جديدة لدراسة أمراض عصبية يصعب إنتاج خلاياها في المختبر.

ونشرت الدراسة في مجلة Nature Neuroscience في 18 أيلول 2026، وقادها كايل لوه، الأستاذ المشارك في علم الأحياء التطوري بجامعة ستانفورد، فيما كان رايّان جوكهاي وكارولين دوندس الباحثين الرئيسيين المشاركين في إعدادها، بمشاركة باحثين من جامعة ستانفورد، وجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، ومعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا. 

وأظهرت النتائج أن أحد السلفين العصبيين يتجه إلى تكوين الدماغ الأمامي والدماغ المتوسط، بينما يتجه السلف الآخر إلى تكوين الدماغ الخلفي، ما يعني أن المناطق الرئيسية للدماغ تحمل أصولاً خلوية مختلفة منذ مرحلة مبكرة جداً من التطور الجنيني. ويصف الباحثون الدماغ، استناداً إلى هذه النتائج، بأنه عضو مركب ينشأ من سلالتين من الخلايا السلفية محددتي المصير.

ولا يتعلق الاكتشاف بنصفي الدماغ الأيمن والأيسر المعروفين تشريحياً، وإنما بمسارين مختلفين في نشوء مناطق الدماغ. ففي علم التشريح العصبي يقسّم الدماغ إلى ثلاث مناطق رئيسية هي الدماغ الأمامي، والدماغ المتوسط، والدماغ الخلفي.

ويُعد الدماغ الأمامي أكبر أجزاء دماغ الإنسان البالغ، ويضم مناطق مسؤولة عن الوظائف المعرفية العليا، مثل الاستدلال واللغة والحركات الإرادية والعواطف، إلى جانب تنظيم عدد من الوظائف الأساسية المرتبطة بالأكل والنوم ودرجة حرارة الجسم. وتندرج ضمنه تراكيب مثل اللوزة الدماغية والحصين وتحت المهاد والمهاد وأجزاء الجهاز الحوفي، كما تقع القشرة الحديثة ضمن الدماغ الأمامي وتُعد من أكثر البنى تطوراً لدى الثدييات.

ويربط الدماغ المتوسط بين الدماغ الأمامي والدماغ الخلفي، ويشارك في معالجة المعلومات البصرية والحسية وتنظيم بعض المنعكسات الحركية. أما الدماغ الخلفي فيضم الجسر والمخيخ والنخاع المستطيل، ويرتبط بتنظيم وظائف حيوية أساسية من بينها التنفس ومعدل ضربات القلب والنوم والحركة. ويشمل جذع الدماغ الدماغ المتوسط والجسر والنخاع المستطيل، وليس المخيخ. 

واعتمد فريق ستانفورد في الدراسة على نماذج من الخلايا الجذعية البشرية متعددة القدرات، إلى جانب فئران المختبر، لتتبع مصير الخلايا خلال المراحل المبكرة من تكوين الجهاز العصبي. والخلايا السلفية تختلف عن الخلايا الجذعية في كونها أكثر تقييداً من حيث أنواع الخلايا التي يمكن أن تتحول إليها، كما أن قدرتها على التجدد محدودة مقارنة بالخلايا الجذعية.

ووجد الباحثون أن السلفين العصبيين يظهران معاً خلال مرحلة تكوين المعيدة، وهي مرحلة مبكرة من التطور الجنيني يعاد خلالها تنظيم الجنين إلى طبقات خلوية تؤسس لاحقاً لتكوين الأنسجة والأعضاء المختلفة.

وأتاحت الدراسة للباحثين أيضاً تطوير خلايا عصبية حركية مشتقة من الدماغ الخلفي البشري في المختبر، وهي خلايا كان من الصعب إنتاجها سابقاً بالطرق المستخدمة في المختبرات. ويرى الباحثون أن هذه القدرة يمكن أن تساعد في دراسة أمراض تصيب الخلايا العصبية الحركية، ومنها التصلب الجانبي الضموري وضمور العضلات الشوكي، إضافة إلى تطوير نماذج أفضل لاختبار العلاجات.

وتشير النتائج إلى أن هذا النمط المزدوج من التطور قديم جداً من الناحية التطورية، إذ يرجّح الباحثون أنه يعود إلى ما بين 550 و600 مليون سنة، مع وجود دلائل عليه لدى مجموعات حيوانية متعددة، بينها الرئيسيات، وسمك الزيبرا، والفئران، والدجاج، وديدان البلوط.

ويأتي هذا الاكتشاف في سياق تراجع القبول العلمي بنظرية "الدماغ الثلاثي" أو "الدماغ الزاحف" التي صاغها عالم الأعصاب والطبيب النفسي بول ماكلين، والتي افترضت أن الدماغ يتكون من أنظمة تطورية متعاقبة تمثل تركيباً زواحفياً قديماً، ونظاماً ثديياً قديماً، وقشرة حديثة. وتُعد هذه النظرية اليوم تبسيطاً مفرطاً لتطور الدماغ، ولا تحظى بالقبول الذي كانت تتمتع به سابقاً. 

وفي دراسة منشورة في مجلة Science عام 2022، أجرى باحثون من معهد ماكس بلانك لأبحاث الدماغ تحليلاً جزيئياً لأنواع الخلايا العصبية لدى الزواحف والثدييات، ووجدوا أصولاً خلوية مشتركة إلى جانب أنواع عصبية تطورت بصورة خاصة لدى كل مجموعة، ما دعم فهماً أكثر تعقيداً لتطور الدماغ من تصور وجود "دماغ زاحف" قديم داخل الدماغ الثديي الحديث.

ويشير الباحثون إلى أن فهم الأصول الخلوية المختلفة للدماغ قد يغير طريقة دراسة تطوره ووظائفه وأمراضه، ولا سيما أن القدرة على إنتاج خلايا عصبية من الدماغ الخلفي في المختبر يمكن أن توفر نماذج جديدة لدراسة اضطرابات الجهاز العصبي وتطوير علاجات محتملة مستقبلاً.

المحرر: حسين صباح



التعليقات