الثلاثاء 21 جمادى الأول 1448هـ 3 نوفمبر 2026
موقع كلمة الإخباري

العباءة الجامعية.. هل تعيق الطالبة أم تصون هويتها؟

العباءة الجامعية.. هل تعيق الطالبة أم تصون هويتها؟
حجم النص:

إنّ العباءة وطلب العلم ليسا طرفين متعارضين بالضرورة، بل يمكن أن يجتمعا في شخصية المرأة المسلمة الواعية، فالحجاب لا ينبغي أن يكون حاجزًا أمام المعرفة، والجامعة لا ينبغي أن تكون بيئة تضطر الطالبة فيها إلى التنازل عن قناعاتها الدينية، وإنما يكون النجاح الحقيقي حين تستطيع المرأة أن تجمع بين الإيمان والعلم، وبين الاحتشام والكفاءة، لتؤدي رسالتها العلمية والاجتماعية بثقة ووعي ومسؤولية.

العباءة بين الفرض الديني وطلب العلم

إنّ المجتمعات التي تنظر إلى المرأة من خلال قدراتها العلمية وحدها، بمعزل عن قناعاتها وقيمها، تُغفل جانبًا من هويتها الإنسانية؛ كما أنّ المجتمعات التي تحصر الاهتمام بلباس المرأة وتغفل كفاءتها العلمية تُضيّع فرصة الاستفادة من طاقاتها وإمكاناتها، والموقف المتوازن هو الذي يحفظ للمرأة حقها في الالتزام الديني، ويشجعها في الوقت نفسه على تحصيل العلم والمشاركة الفاعلة في بناء المجتمع.

يُعدّ طلب العلم من أهمّ المسارات التي ترتقي بها الأمم، وتبني من خلالها مستقبلها، وتُعدّ الجامعة إحدى المؤسسات الأساسية في صناعة الوعي وتنمية القدرات العلمية والفكرية لدى الأجيال، وفي المقابل، يحتلّ الحجاب مكانة مهمة في المنظومة الدينية والأخلاقية لدى المرأة المسلمة، بوصفه تعبيرًا عن الالتزام بالتعاليم الشرعية والاحتشام وصيانة الكرامة، ومن هنا يبرز التساؤل: هل ثمة تعارض بين الالتزام بالحجاب ومواصلة التحصيل العلمي، أم أنّ الجمع بينهما ممكن في إطار من الوعي والتوازن؟

إنّ الإسلام الذي دعا إلى العفة والاحتشام هو نفسه الذي حثّ على العلم والمعرفة، وجعل للعلم منزلة رفيعة في بناء الإنسان والمجتمع، قال تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) الزمر: 9. وقال سبحانه: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) المجادلة: 11. وهاتان الآيتان تؤكدان قيمة العلم ومكانته في حياة الإنسان، من دون أن تجعلا طلبه مناقضًا للالتزام الديني.

وفيما يتعلق بالحجاب، فإنّ القرآن الكريم وجّه المرأة المؤمنة إلى الالتزام بالستر والعفاف، قال تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) النور: 31. أمّا العباءة، فهي إحدى صور اللباس التي تختارها المرأة المسلمة لتحقيق الستر، وليست التسمية وحدها هي المعيار في الحكم الشرعي؛ إذ ينبغي النظر إلى مواصفات اللباس ومدى استيفائه للضوابط الشرعية وفق الفتوى المعتمدة.

الالتزام الديني يقوّم الالتزام العلمي 

ليس العلم مجرّد معلومات تُحفظ، أو شهادات تُنال، أو مراتب علمية يتنافس الناس في بلوغها؛ بل هو مسؤولية أخلاقية ورسالة إنسانية تتجلى قيمتها في أثرها في الفرد والمجتمع، ومن هنا تبرز أهمية الالتزام الديني في تقويم المسيرة العلمية، وتوجيه المعرفة نحو الخير، وصيانة أهدافها من الانحراف عن المبادئ والقيم.

فالعلم يمنح الإنسان القدرة على الفهم والتحليل والإبداع، بينما يمدّه الالتزام الديني بالبوصلة الأخلاقية التي توجّه هذه القدرات نحو ما ينفع الإنسان ويحفظ كرامته، وإذا كان العلم يفتح أمام العقل آفاق المعرفة، فإنّ الدين يذكّر الإنسان بمسؤوليته عن توظيف ما يتعلمه، وبأنّ قيمة المعرفة لا تكتمل إلا حين تقترن بالأمانة والتواضع والعدل والإحسان.

وقد ربط القرآن الكريم الهداية بخشية الله، فقال سبحانه: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) فاطر: 28. وفي هذا السياق تتجلى صورة التكامل بين المعرفة والمسؤولية الإيمانية؛ فالعلم الحقيقي لا ينبغي أن ينفصل عن الوعي الأخلاقي، ولا أن يتحول إلى وسيلة لتحقيق المصالح على حساب حقوق الآخرين.

وتتضح هذه العلاقة في البيئة الجامعية، حيث لا تقتصر رسالة الطالبة على تحصيل المعرفة واجتياز الامتحانات ونيل الشهادة، بل تشمل بناء الشخصية المتوازنة التي تجمع بين الكفاءة العلمية والاستقامة السلوكية، فالالتزام الديني، حين يقوم على الوعي والقناعة، يعزز احترام الوقت، وأداء الواجب، والأمانة في البحث، والابتعاد عن الغش والتزوير، واحترام الأستاذ والزميل، وتحمل المسؤولية تجاه المجتمع.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الحجاب والعباءة في إطار أوسع من حدود المظهر الخارجي؛ إذ يرتبط الالتزام الديني بمنظومة من القيم التي ينبغي أن تنعكس على سلوك الطالبة وأدائها العلمي، غير أنّ قيمة الالتزام لا تُقاس بالمظهر وحده، كما لا تُقاس كفاءة الإنسان العلمية بلباسه؛ وإنما تتكامل الصورة حين يجتمع الالتزام الواعي مع العلم النافع، ويترجم كلاهما إلى سلوك مسؤول وعطاء مثمر.


إنّ الجامعة التي تحترم القيم الدينية وتشجع البحث العلمي الرصين تسهم في إعداد إنسان يمتلك المعرفة والضمير معًا، فلا يجعل العلم منفصلًا عن الأخلاق، ولا يجعل التدين ذريعة للابتعاد عن ميادين المعرفة والتطور، وكذلك فإنّ الطالبة الواعية تستطيع أن تجمع بين التزامها الديني وطموحها الأكاديمي، وأن تثبت بكفاءتها وأخلاقها أنّ الاحتشام لا يتعارض مع الإبداع، وأنّ التمسك بالقيم لا يحول دون التفوق.

إنّ الالتزام الديني لا ينتقص من قيمة العلم، بل يسهم في توجيهه وتقويم مساره حين يُفهم فهمًا واعيًا، ويُترجم إلى أخلاق ومسؤولية، فالعلم بلا أخلاق قد يفقد وجهته الإنسانية، والتدين الذي لا يحفّز على التعلم والعمل لا يحقق تمام أثره في بناء المجتمع، ومن هنا تبرز الحاجة إلى شخصية متكاملة، تجمع بين نور المعرفة وسمو القيم، وتجعل من العلم وسيلة للإصلاح، ومن الالتزام الديني ضمانة أخلاقية لحسن توظيفه.

جامعة بدون قيم كجسد بدون روح

ليست الجامعة جدرانًا تحتضن القاعات الدراسية، ولا مختبراتٍ تُجرى فيها التجارب، ولا شهاداتٍ تُمنح عند انتهاء سنوات الدراسة؛ بل هي مؤسسة لصناعة الإنسان، وبناء الوعي، وتهذيب الفكر والسلوك، فإذا كان العلم مادتها التي تنهض بها، فإنّ القيم روحها التي تمنحها رسالتها وغايتها، ومن هنا، فإنّ جامعةً بلا قيم كجسدٍ بلا روح؛ قد تبدو مكتملة في ظاهرها، لكنها تفتقر إلى العنصر الذي يمنح وجودها المعنى الحقيقي.

تُعدّ الجامعة فضاءً للعلم والمعرفة، وميدانًا لبناء الشخصية وصقل القدرات، وفي رحابها تتلاقى متطلبات التحصيل الأكاديمي مع مقتضيات السلوك والهوية والقيم، ومن بين الموضوعات التي تثير النقاش في الأوساط الجامعية موضوع العباءة التي ترتديها بعض الطالبات، وما يُطرح بشأن تأثيرها في الحركة والتنقل والمشاركة في الأنشطة الجامعية، فهل تمثّل العباءة عائقًا أمام الطالبة في مسيرتها العلمية، أم أن المسألة تتعلق بكيفية ارتدائها ومدى ملاءمتها للبيئة الجامعية؟

إنّ العباءة، في نظر كثير من النساء، ليست مجرد لباس يستر الجسد، بل هي تعبير عن الاحتشام والهوية الثقافية والالتزام الديني، ورمز يرتبط بمنظومة من القيم الاجتماعية والأخلاقية، ومن هنا، فإنّ تناول هذا الموضوع ينبغي ألّا ينطلق من افتراض التعارض بين العباءة والعلم، أو بين الاحتشام والتقدم، فكلاهما يمكن أن يجتمعا في شخصية الطالبة الواعية التي تسعى إلى التفوق العلمي وتحافظ في الوقت نفسه على قناعاتها وقيمها.

فالجامعة بلا قيم قد تُخرّج متخصصًا بارعًا، لكنها لا تضمن أن يكون إنسانًا أمينًا؛ وقد تمنح شهادة علمية، لكنها لا تضمن وحدها بناء شخصية متوازنة، أما الجامعة التي تجعل القيم جزءًا أصيلًا من رسالتها، فإنها تسعى إلى تخريج إنسان لا يعرف كيف يعمل فحسب، بل يعرف أيضًا لماذا يعمل، ولمن يوجّه علمه، وما المسؤولية التي يتحملها تجاه مجتمعه.

إنّ العلم يمنح الجامعة قدرتها على التقدم، والقيم تمنح هذا التقدم وجهته الإنسانية، وإذا كانت المعرفة هي الجسد الذي تنهض به المؤسسة الجامعية، فإنّ القيم هي الروح التي تحيي رسالتها وتوجّه مسيرتها، ولذلك، فإنّ بناء الجامعة الحقيقية لا يتحقق بكثرة الشهادات وحدها، بل بالتكامل بين العلم والأخلاق، وبين الكفاءة والنزاهة، وبين المعرفة وخدمة الإنسان.

التوفيق بين المتطلبات الدراسية والقيم الأخلاقية

ومن الخطأ أن تُطرح المسألة وكأنّ المرأة مطالبة بالاختيار بين دينها ومستقبلها العلمي؛ فالحجاب لا يمنع من دخول الجامعة، ولا يحول بذاته دون التفوق والإبداع، كما أنّ طلب العلم لا يستلزم التخلي عن الالتزام الديني، إنّما تتطلب المسألة وعيًا يوفّق بين مقتضيات الستر الشرعي ومتطلبات البيئة الجامعية، بما فيها المحاضرات والمختبرات والأنشطة التطبيقية.

وقد تثير بعض أنواع العباءات صعوبات عملية إذا لم تكن ملائمة للحركة أو لمتطلبات السلامة في المختبرات والورش، غير أنّ معالجة هذه الصعوبات ينبغي أن تنطلق من اختيار تصميم مناسب، يوفّر الستر والراحة وسهولة الحركة، بدلًا من تصوير العباءة في ذاتها على أنّها عقبة أمام العلم، فالمشكلة العملية، إن وُجدت، تُعالج بالحلول المناسبة، لا بإثارة التعارض بين الدين والمعرفة.

ومن واجب المؤسسات الجامعية أن تراعي متطلبات الدراسة والسلامة، وأن تحترم خيارات الطالبات في اللباس ضمن الأنظمة المعتمدة، كما تقع على الطالبة مسؤولية اختيار ما يلائم ظروف دراستها ويحفظ التزامها الشرعي، وبهذا يتحقق التوازن بين الحقوق والواجبات، وتصبح الجامعة فضاءً تتكامل فيه المعرفة مع القيم، بدلًا من أن يتحول اللباس إلى سبب للجدل أو الإقصاء.

فالجامعة ليست قاعات للمحاضرات فحسب، بل تضمّ مختبرات علمية، ومكتبات، وورشًا تطبيقية، ومرافق رياضية، وأنشطة طلابية متعددة، ولكلّ منها متطلباته الخاصة، ومن الحكمة أن تراعي الطالبة طبيعة هذه الأنشطة عند اختيار لباسها، وأن تتوافر لها الخيارات المناسبة التي تحفظ احتشامها وتتيح لها أداء واجباتها الجامعية بأمان ويسر.

ومن جهة أخرى، لا يصحّ أن تتحوّل متطلبات الحركة والراحة إلى مبرر للحكم على العباءة بوصفها مظهرًا من مظاهر التخلف أو سببًا في ضعف المشاركة العلمية، فالتقدم لا يُقاس بنوع اللباس، وإنما بمستوى المعرفة، وجودة التفكير، والقدرة على الإبداع، والإسهام في خدمة المجتمع، وقد أثبتت المرأة في مجالات العلم والعمل أنّ التمسك بالقيم لا يتنافى مع الطموح، وأنّ الهوية الأصيلة يمكن أن تتعايش مع متطلبات الحياة الحديثة. 

العباءة لا تعيق الطالبة

إنّ المسؤولية في هذا المجال مشتركة بين الطالبة والأسرة والمؤسسة الجامعية؛ فالطالبة مطالبة باختيار ما يناسب احتياجاتها الدراسية، والأسرة معنية بتعزيز الوعي الذي يجمع بين القناعة وحسن التدبير، أما الجامعة فعليها أن توفر بيئة تحترم التنوع في خيارات اللباس ضمن الضوابط المعتمدة، وأن تراعي متطلبات السلامة والراحة في المختبرات والمرافق المختلفة.

وفي نهاية المطاف، فإنّ السؤال الأجدر بالطرح هل تعيق العباءة الطالبة الجامعية؟ بل: كيف نجعل لباس الطالبة منسجمًا مع قيمها، وملائمًا لبيئتها الجامعية، من دون أن يحول دون مشاركتها أو تفوقها؟

إنّ العباءة لا ينبغي أن تكون حاجزًا بين الطالبة والعلم، كما لا ينبغي أن يصبح طلب الراحة والتطور ذريعة للاستخفاف بقناعاتها، فالمعيار الحقيقي هو قدرة الطالبة على الجمع بين الوعي والاحتشام، وبين الالتزام والطموح، لتكون الجامعة ميدانًا تتكامل فيه القيم مع المعرفة، وتلتقي فيه أصالة الهوية مع متطلبات الحياة المعاصرة.

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد، كن أول من يعلّق.

أضف تعليقاً